الشيخ ابراهيم الأميني
13
تزكية النفس وتهذيبها
أن أكثر القصص القرآنية أهدافها أخلاقية . ويمكنكم أن تجدوا في كتب الحديث آلاف الأحاديث الأخلاقية فإذا لم تكن أكثر من الموضوعات الأخرى فليست بأقل منها والثواب والأجر الذي ذكر للأخلاق الحسنة ليس أقل من الثواب الموضوع لسائر الأعمال . والعقاب الذي جاء الوعيد والتهديد به لذوي الأخلاق السيئة ليس أقل من التهديد والوعيد الوارد في حق سائر الأعمال السيئة . لهذا فالأمور الأخلاقية تشكل أساس الإسلام . ولا يمكن تصنيفها في الدرجة الثانية من أحكام الدين ، وليست أمورا جمالية وكمالية . إذا كان لدينا أمر ونهي في الأحكام فلدينا أمر ونهي في الأخلاق أيضا . وإذا كان لدينا ترغيب وثواب وتخويف وعقاب في الأحكام ، فلدينا مثل ذلك في الأخلاق . فما الفرق بينهما ؟ إذن إذا كنا طالبي سعادة وكمال فلا يمكننا عدم إيلاء الأمور الأخلاقية عناية . لا يمكننا ترك الواجبات الأخلاقية بحجة كونها أخلاقية ، وأن نرتكب النواهي الأخلاقية على أساس أنها محرمات أخلاقية . إذا كانت الصلاة واجبة وكان لتركها عقاب . فالوفاء بالعهد واجب أيضا . وخلف الوعد حرام وفيه عقاب . فما الفرق ؟ المتدين الواقعي السعيد هو الذي يتقيد بالأحكام والتكاليف ويتقيد أيضا بالأمور الأخلاقية . بل وأن للأمور الأخلاقية أهمية أكبر في السعادة والكمال المعنوي والنفساني كما سنبين فيما بعد . معرفة النفس وبناؤها : صحيح أن الإنسان حقيقة واحدة ليس أكثر ، ولكن لديه أبعاد وجهات مختلفة في الوجود . يبدأ وجود الإنسان من تراب لا إدراك له ولا شعور وينتهي بالجوهر الملكوتي . يقول اللّه تعالى في القرآن الكريم : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ . « 1 » إذن الإنسان حقيقة واحدة ، لكنها حقيقة تتمتع بدرجات ومراتب مختلفة في
--> ( 1 ) سورة السجدة ، الآيات : 7 - 9 .